بن عيسى باطاهر
60
المقابلة في القرآن الكريم
الفكرة ، ليجعل جميع الناس أمام طريقين واضحين : طريق الحق وطريق الضلال ، ثم يترك الناس يختارون ما يشاءون ، ولكن لكل اختيار جزاء ونتيجة ومآل ، قال تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [ البقرة : 256 ] ، وقال أيضا : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى [ الزمر : 17 ] . وكما هو ملاحظ في هذه الآيات التي سيقت فإن القرآن الكريم يعتمد على طريقة التقابل في عرض فكرة التوحيد خالصة من كل شائبة ، ثم دحض كل صور الشرك والطغيان التي يتخذها البشر من دون اللّه ، ودون أي دليل أو برهان ، وفائدة هذه المقابلة إبراز فكرة التوحيد في صورة كاملة لا يشوبها أي نقص أو تحريف ، ثم الفصل بين الرشد والغيّ ، والحق والباطل ، ووضع التصور الصحيح الذي يجب أن يتبناه البشر عن إلههم الحق مع تحذيرهم بأن يتسرب إلى هذا التصوّر شيء من الانحراف والضلال الذي تسعى إليه قوى الشّرّ الخفيّة التي خلقها اللّه بمشيئته وإرادته لغواية الإنسان . 3 - الطاغوت والشيطان : فسّر بعض علماء السلف من الصحابة والتابعين « الطاغوت » بأنه « الشيطان » « 1 » ، لأن الشيطان هو سبب كل طاغوت من حيث وجوده وانتشاره كإله بين الناس ، والشيطان في المفهوم الإسلامي هو مخلوق شقي يحمل الشر ويبثّه ، وقد خلقه اللّه سبحانه ليكون عدوّا للإنسان وليكون مقابلا لقوة الخير في هذه الأرض . وقد يسأل سائل لما ذا أوجد اللّه تعالى الشيطان وخلق الشرّ ، والإجابة أن « تلك هي مشيئة اللّه في هذا المخلوق الشقي التعس ، لقد أراده اللّه ليكون في الظلام الذي يواجه النور ، والشر الذي يقابل الخير ، وبهذا تتمايز الأمور ،
--> ( 1 ) جلال الدين السيوطي - الدر المنثور في التفسير المأثور - ط 1 دار الفكر - ج 2 - ص 22 .